عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
495
اللباب في علوم الكتاب
فأجابوا عنه : بأنّا لا نسلّم أن « هذي » منادى ، بل [ اسم ] إشارة إلى المصدر ، كأنّه قال : برزت هذي البرزة . فردّ ابن مالك هذا الجواب : بأنّه لا ينتصب اسم الإشارة مشارا به إلى المصدر إلا وهو متبوع بالمصدر . وإذا سلّم هذا فيكون ظاهر قول الزّمخشري : « إنه منصوب على المصدر » مردودا بما ردّ به الجواب عن بيت أبي الطّيّب ، إلا أن ردّ ابن مالك ليس بصحيح ؛ لورود اسم الإشارة مشارا به إلى المصدر غير متبوع به ؛ قال الشاعر : [ الطويل ] 2379 - يا عمرو إنّك قد مللت صحابتي * وصحابتيك إخال ذاك قليل « 1 » قال النّحويّون : « ذاك » إشارة إلى مصدر « خال » المؤكّد له ، وقد أنشده هو على ذلك . الرابع : أنه منصوب على أنه مفعول ثان قدّم على عامله ؛ لأن « جزى » يتعدّى لاثنين ، والتّقدير : جزيناهم ذلك التّحريم ، وقال أبو البقاء « 2 » ومكّي « 3 » : إنّه في موضع نصب ب « جزيناهم » ولم يبيّنا على أيّ وجه انتصب : هل على المفعول الثّاني أو المصدر ؟ . فصل في معنى قوله « جَزَيْناهُمْ بِبَغْيِهِمْ » والمعنى : إنما خصصناهم بهذا التّحريم جزاء على بغيهم ، وهو قتلهم الأنبياء ، وأخذهم الرّبا ، وأكلهم أموال الناس بالباطل ، ونظيره قوله - تعالى - : فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ [ النساء : 160 ] . قوله : « وَإِنَّا لَصادِقُونَ » معموله محذوف ، أي : لصادقون في إتمام جزائهم في الآخرة ؛ إذ هو تعريض بكذبهم حيث قالوا : نحن مقتدون في تحريم هذه الأشياء بإسرائيل ، والمعنى : الصّادقون في إخبارنا عنهم ذلك ، ولا يقدّر له معمول ، أي : من شأننا الصّدق . قوله : « فَإِنْ كَذَّبُوكَ » [ الضّمير في « كذّبوك » ] الظاهر عوده على اليهود ؛ لأنّهم أقرب مذكور . وقيل : يعود على المشركين ، لتقدّم الكلام معهم في قوله : نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ [ الأنعام : 143 ] ، و أَمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ [ الأنعام : 144 ] ، والمعنى : فإن كذّبوك في ادّعاء النّبوّة
--> ( 1 ) ينظر : شرح شواهد المغني 2 / 932 ، المقرب 1 / 118 ، مغني اللبيب 2 / 642 ، الدر المصون 3 / 210 . ( 2 ) ينظر : الإملاء 1 / 264 . ( 3 ) ينظر : المشكل : 1 / 298 .